حين تصبح التجارة رحلة… لا صفقة

حين تصبح التجارة رحلة… لا صفقة

كنتُ أظنّ في بداياتي أن التجارة هي أرقام، فواتير، وشحنات تُحمَّل وتُفرَّغ في الموانئ.
كنت أعتقد أن النجاح يُقاس بكم حاوية صدّرتها أو كم صفقة أغلقتها.
لكن بعد سنوات من التجوال بين المصانع والمكاتب والموانئ، تعلّمت أن التجارة ليست مهنة فقط… إنها مدرسة للحياة.

في كل صفقة هناك درس.
مرةً خسرت لأنني استعجلت، ومرة ربحت لأنني تأخّرت في التوقيع يومًا واحدًا فقط.
وفي الحالتين، لم أندم؛ لأن الخسارة في التجارة ليست هزيمة، بل تدريب مجاني على الحذر القادم.

التجارة تُعلّمك الصبر أكثر من أي مدرسة.
تنتظر الرد من مصنع في آسيا، وتراقب رحلة سفينة تتأخر أسبوعين بسبب عاصفة، وتتعامل مع عميل لا يعرف أنك لم تنم ليلتين لأن الشحنة تأخرت في الجمارك.
تتعلم أن الابتسامة أحيانًا أهم من التخفيض، وأن المكالمة اللطيفة تنقذ صفقة أكثر مما يفعل البريد الرسمي.

والأجمل أنك تكتشف أن النجاح في هذا العالم لا يحتاج “عبقرية”، بل قلبًا قويًّا وعينًا يقظة.
أن تعرف متى تصمت، ومتى تسأل، ومتى تُخاطر، ومتى تقول: لا.

كثيرون يظنون أن التاجر المحترف لا يخطئ.
الحقيقة؟ هو فقط لا يُكرّر الخطأ مرتين!
التاجر الذكي ليس من يعرف كل شيء، بل من يعترف أنه لا يعرف كل شيء، فيسأل ويتعلم ويجرب حتى يصل إلى طريقه الخاص.

والتجارة، مثل البحر… لا يمكن أن تتقن الإبحار دون أن تبلل قدميك أولًا.
ستتعرض لرياح، وربما تنكسر مجاديفك مرة، لكنك إن واصلت، ستجد أنك صرت أهدأ وأذكى وأكثر حذرًا من قبل.

في النهاية، الأمر لا يتعلق بعدد الصفقات التي وقعتها، بل بعدد التجارب التي نضجت بفضلها.
التجارة ليست طريقًا للمغامرين فقط… بل للذين يعرفون كيف يجعلون من كل تجربة، حكاية جديدة تروى.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *